هأنذا أنظر إلى الكعبة المشرفة، يملأ البصر منها نور العين وتملأ البصيرة منها أنوار الروح، {إنَّ أّوَّلّ بّيًتُ وضٌعّ لٌلنَّاسٌ لّلَّذٌي بٌبّكَّةّ مٍبّارّكْا وّهٍدْى لٌَلًعّالّمٌينّ ><96> فٌيهٌ آيّاتِ بّيٌَنّاتِ مَّقّامٍ إبًرّاهٌيمّ ومّّن دّخّلّهٍ كّانّ آمٌنْا وّلٌلَّهٌ عّلّى النَّاسٌ حٌجٍَ الًبّيًتٌ مّنٌ اسًتّطّاعّ إلّيًهٌ سّبٌيلاْ وّمّن كّفّرّ فّإنَّ اللَّهّ غّنٌيَِ عّنٌ الًعّالّمٌينّ} [آل عمران: 96 ـ 97].
لقد دار الزمان واستدار، وبلغت الروح دار القرار، إنها قد أسكنتها إرادة الله بيته الحرام، وأمكنتها يد القدرة من رحلة العمر وتمام الأمر، فقد أجاب نداء أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام حين أذن في العالمين بالحج المبرور إلى البيت المعمور، { وّأّذٌَن فٌي النَّاسٌ بٌالًحّجٌَ يّأًتٍوكّ رٌجّالاْ وّعّلّى" كٍلٌَ ضّامٌرُ يّأًتٌينّ مٌن كٍلٌَ فّجَُ عّمٌيقُ } [الحج: 27]
إنها الروح التي كانت تهتف:
خذوني خذوني إلى المسجد
خذوني إلى الحجر الأسود
خذوني إلى زمزم علَّها
تبرد من جوفيَ الموقد
خذوني لأستار بيت الإله
أشد به في ابتهال يدي
دعوني أحط على بابه
ثقال الدموع وأستنفد
فإني أحيا على لطفه
وإن يأتني الموت أستشهد
هكذا كما لهجت روح شاعر الإسلام وأديب العربية، علي أحمد باكثير، وها هي الروح قد حملت البدن إلى تحية هذا البيت، حبًا وإقبالاً، وتحية وامتثالاً، فطاف البدن شفاء ووفاء وقربًا ورجاء:
طف بي بمكة إني هدني تعبي
واترك عناني فإني ها هنا أربي
دَعْ فؤادي يمرح في مرابعها
ففي مرابعها يغدو فؤاد حبي
فإن طوفي ومراحي وحرامي ليمتد إلى مكة بأسرها.. فمكة كلها حرم؛ لذا فإن الشاعر مصطفى عكرمة ينطلق إلى مكة من سوريا، كما انطلق إليها باكثير الحضرمي من القاهرة ليقول:
هنا أمرغ خدي صبوة وجوى
فتهتف الحور بشرى خدك الترب
إن رأيت دموعي أنبتت حجرًا
فتلك مني دموع الفرحة العجب
ولماذا كل هذا الحب العاجب والشوق اللاجب. إنها وحسب تصديقًا بكتابك يا رب، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك :
هنا بمكة آي الله قد نزلت
هنا تربى رسول الله خير نبي
هنا الصحابة عاشوا يصنعون لنا
مجدًا فريدًا على الأيام لم يشب
وزيارة بيت الله الحرام لا يهدأ لها أوار ولا يقر لها قرار، إنها هزة الشوق ولذعة التوق، وعند أعقاب هذا البيت أحيانا من جديد:
كم هزني الشوق يا خير الديار
وكم عانيت بعدك وجدًا دائم السبب
إلا إليك، أرى الأشواق تقعد بي
وعند ذكرك أشواقي تحلق بي
وعند ذكرك أنسى أنني بشر
وكالملائك أحيا في المدى الرحب
فتبدعين كياني من تقى وهدى
فلا أحس بما ألقاه من وصب
ما غير زورة بيت الله ترجع لي
شباب روحي إذا امتدت يد النوب
ربي حنانيك فاكتبها وخذ بيدي
كي يهتف القلب يا فوزي ويا طربي
اللهم آمين، اللهم اكتبها مبرورة مأجورة لكل مشتاق، واطو اللهم له الديار والأسفار والأعماق، يا رب يا واهب يا فتاح يا رزاق.
إنها مكة أم القرى، الأرض التي حرمها الله فأصبحت للناس حرمًا آمنًا ويُتخطف الناس من حولهم، تقول الشاعرة الإسلامية علية الجعَّار:
موطن الأمن والحمى والجوار
درة الأرض منبع الأنوار
حرّم الله أرضها وحباها
من قديم بباهر الأسرار
مكة الطهر والسلام تسامى
قدرها فوق سائر الأمصار
رحمة الله ظللتها وفيها
من رضا الله أعذب الأنهار
كل من جاء للرحاب يلبي
دامع القلب خشية من نار
يملأ الأمن قلبه وتنقي
روحه رحمة من الغفار
وليس بكثير على أم القرى أن تكون عروس المدائن وقِبْلَة العابدين فهي البلد الذي اختاره الله لبيته الحرام واختصه بالتوجيه إليه.
من ذراها
نزل الروح الأمين
في ثراها
وضع الحق المبين
كما يشدو الشاعر اللبناني سعيد الهندي حيث يترنم في بطحاء مكة قائلاً:
وبها الأركان والبيت الذي
شدا بالإيمان أزر المسلمين
أسعد الله بها من أسعدا
جاور الركن وحيا المسجدا
قف بهذا السفح قرب العلم
وانهل الطيب شذا من زمزم
وطف البيت طواف المحرم
واعتمر لله رب العالمين
من ذراها
نزل الروح الأمين
في ثراها
وضع الحق المبين
إنها المنهل والمورد، وهي الغاية والمقصد، فهي منزل الوحي ودار الإسلام:
شريعة الله رفت في مآذنها
وفي الحنايا دعاء سبح الله
تروي العطاش على الأزمان زمزمها
كما روى عن لهيف الخطو مسعاها
من كان في كنف البطحاء مسكنه
كانت سجاياه بعضًا من سجاياها
ومن تكن كعبة الإسلام قبلته
فإنما الخلد والرضوان عقباها
هكذا يرى الشاعر سعيد الهندي تواصل الخيرات والبركات بين مهد النبوة ومهبط الوحي.
بوركت يا أم القرى كما يردد الشاعر الإسلامي عبد الله شمس الدين:
بوركت يا أم القرى من بقعة
خلعت عليها البنيات إهابها
زف الخليل إليك إسماعيل فالتـ
قت هضابك بالجلال وبالبها
وأتى الختام المرسلين مبشرًا
بالنور يجلي للنهى ما رابها
وغدوت بالبيت العتيق منارة
أبدًا تردد هديها وثوابها
وعدت مروجًا كالرياض وجنة
رضوان فتح للحنيفة بابها
يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فما يدري أحدكم ما يعرض له فقد يضيع المال، وتضل الراحلة، وتكون الحاجة، فهيا لنردد مع أمير الشعراء أحمد شوقي:
إلى عرفات الله يا خير زائر
عليك سلام الله في عرفات
ففي الكعبة الغراء ركن مرحب
بكعبة قصاد وركن عفاة
على كل أفق بالحجاز ملائك
تزف تحايا الله والبركات
لدى الباب جبريل الأمين براحه
رسائل رحمانية النفحات
وما سكب الميزاب ماء وإنما
أفاض عليك الأجر والرحمات
وزمزم تجري بين عينيك أعينا
من الكوثر المعسول منفجرات
محمود محمد خليل
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية